الغزالي

213

إحياء علوم الدين

ذلك في زيادة الايمان الذي هو مجرد التصديق ؟ هذا فيه نظر . وقد أشرنا إلى أنه يؤثر فيه الإطلاق الثالث - أن يراد به التصديق اليقيني على سبيل الكشف وانشراح الصدر والمشاهدة بنور البصيرة . وهذا أبعد الأقسام عن قبول الزيادة ، ولكني أقول : الأمر اليقيني الذي لا شك فيه تختلف طمأنينة النفس إليه ، فليس طمأنينة النفس إلى أن الاثنين أكثر من الواحد كطمأنينتها إلى أن العالم مصنوع حادث وإن كان لا شك في واحد منهما ، فان اليقينيات تختلف في درجات الايضاح ، ودرجات طمأنينة النفس إليها . وقد تعرضنا لهذا في فصل اليقين من كتاب العلم في باب علامات علماء الآخرة ، فلا حاجة إلى الإعادة . وقد ظهر في جميع الاطلاقات أن ما قالوه من زيادة الايمان ونقصانه حق ، وكيف لا وفي الأخبار : أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان . وفي بعض المواضع في خبر آخر [ 1 ] « مثقال دينار » فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت ؟ ! مسألة فان قلت : ما وجه قول السلف : أنا مؤمن إن شاء الله ، والاستثناء شك ، والشك في الايمان كفر ، وقد كانوا كلهم يمتنعون عن جزم الجواب بالايمان ويحترزون عنه ، فقال سفيان الثوري رحمه الله : من قال أنا مؤمن عند الله فهو من الكذابين ، ومن قال أنا مؤمن حقا فهو بدعة ، فكيف يكون كاذبا وهو يعلم أنه مؤمن في نفسه ، ومن كان مؤمنا في نفسه كان مؤمنا عند الله ، كما أن من كان طويلا وسخيا في نفسه وعلم ذلك كان كذلك عند الله ، وكذا من كان مسرورا أو حزينا أو سميعا أو بصيرا . ولو قيل للانسان . هل أنت حيوان لم يحسن أن يقول أنا حيوان إن شاء الله . ولما قال سفيان ذلك قيل له : فما ذا نقول ؟ قال : قولوا آمنا با لله وما أنزل إلينا ، وأيّ فرق بين أن يقول آمنا با لله وما أنزل إلينا وبين أن يقول أنا مؤمن ؟ وقيل للحسن : أمؤمن أنت ؟ فقال : إن شاء الله ، فقيل له : لم تستثني يا أبا سعيد في الايمان ؟ فقال : أخاف أن أقول نعم فيقول الله سبحانه كذبت يا حسن فتحق على الكلمة ، وكان يقول ما يؤمنني أن يكون الله سبحانه قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتنى وقال اذهب